الواثق البرير

رئيس مجلس الإدارة

المشهد العالمي والسوداني تتنازعه تدفقات المعلومات، وتتسارع فيه دورة الأخبار، فلم يعد الإعلام مجرد ناقل للوقائع، ولكنه أصبح فاعلاً مؤثراً في تشكيل الوعي العام. فبقدر ما يمتلك من أدوات قادرة على الإسهام في إحقاق الحق وبناء المعرفة، انزلقت بعض منصاته إلى إنتاج "وعي زائف" تغذيه الدعاية المنظمة وخطابات الكراهية، خاصة في بيئات النزاعات. وفي الحالة السودانية، حيث تتقاطع الأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، بات التضليل الإعلامي أداة خطيرة لتفكيك النسيج الاجتماعي وإرباك الرأي العام، الأمر الذي يجعل من بناء وعي نقدي رصين معركة قومية لا تقبل التأجيل.

من هذا المنطلق، تأتي صحيفة "صوت الأمة" في ثوبها الجديد استجابةً موضوعية وضرورةً أخلاقية، كإضافة نوعية إلى الفضاء الإعلامي. فهي تسعى إلى أن تكون منصة مهنية تقف في وجه التزييف، وتعيد الاعتبار لقيمة المعلومة الدقيقة والتحليل الرصين، عبر الالتزام الصارم بمعايير التحقق والشفافية. وتعمل على نقل الخبر وتفكيكه ووضعه في سياقه، لتقديم إنتاج صحفي ومعرفي في زمن الالتباس، بما يمكّن الجمهور من بناء مواقف مستنيرة، ويعزز قدرته على التمييز بين الوقائع والدعاية، وبين التحليل الموضوعي والخطاب التعبوي.

تستند صحيفة "صوت الأمة" إلى إرث تاريخي عريق، تعود جذوره إلى تأسيس صحيفة "الأمة" في 16 يناير 1944، كمنبر فكري لحزب الأمة تحت شعار "السودان للسودانيين"، برئاسة تحرير يوسف مصطفى التني. وقد لعبت الصحيفة دوراً محورياً في التعبير عن تيار الاستقلال، مستفيدة من سياق سياسي معقد، فأصبحت صوتاً بارزاً في مواجهة المستعمر والدعوة إلى بناء دولة وطنية مستقلة. وفي تلك المرحلة، سخرت الصحيفة فن المقال السياسي لخدمة قضية الاستقلال، وتعاقب على رئاستها التني، ثم محمد أحمد عمر الذي اتسم أسلوبه بالحماسة، ثم عبد الرحيم الأمين الذي لجأ إلى الأسلوب الرمزي لتمرير الرسائل السياسية في ظل القيود الاستعمارية، فيما أسهمت أقلام مثل حسن محجوب في ترسيخ حضورها كمنصة مؤثرة رغم ضعف الإمكانات الفنية والطباعية.

ومع دخول السودان مرحلة الحكم الوطني، شهدت الصحيفة تحولاً مهماً خلال الفترة الديمقراطية الأولى (1953–1958م)، حيث تولى حسن محجوب رئاسة التحرير، وقاد تطوراً مهنياً نقل الصحيفة إلى ممارسة صحفية أكثر احترافاً، تقوم على النقد والمتابعة والتحقيق. وبرز في هذه المرحلة عدد من الأسماء التي شكلت وجدان الصحيفة، من بينهم أمين التوم، عبد الله عبد الرحمن نقد الله، والسر قدور، حيث أسهموا في تطوير القوالب التحريرية وتوسيع نطاق التغطية، رغم استمرار التحديات المتعلقة بالإخراج وضعف الموارد.

وفي الفترة الديمقراطية الثانية (1964–1969م)، التي استؤنف فيها صدور الصحيفة عام 1966، ركزت "الأمة" على قضايا الهوية والوحدة الوطنية، إلا أن أداءها المهني تأثر بقصر فترة الصدور وضعف الكوادر المتخصصة في الفنون الصحفية الميدانية، مما جعلها تميل إلى المقال والرأي أكثر من التحقيق والاستقصاء. ورغم توفر هامش من الحرية، ظلت الصحيفة متأثرة بإرث الفترات الشمولية، حتى توقفت بقرار من مجلس انقلاب 25 مايو 1969م.

ومع انتفاضة أبريل 1985م، عادت الصحيفة للصدور برئاسة تحرير إدريس البنا، قبل أن يتحول اسمها في أكتوبر من العام ذاته إلى "صوت الأمة"، في خطوة هدفت إلى توسيع قاعدة المخاطبة لتشمل مختلف فئات المجتمع السوداني. وقد شهدت هذه المرحلة تطوراً نوعياً في الأداء المهني، بفضل مساهمات خريجي كليات الإعلام، وإدخال الصور والألوان، وتنوع الفنون الصحفية، حيث تعاقب على رئاسة تحريرها لاحقاً كل من سيد أحمد خليفة وصديق بولاد وحسن أحمد الحسن ومحمود إدريس، واهتمت الصحيفة بقضايا المرأة والنقابات والفساد، إلى جانب القضايا السياسية، حتى توقفت مجدداً في 30 يونيو 1989م بقرار من نظام الإنقاذ الدكتاتوري.

وخلال سنوات الحكم الشمولي، واجهت الصحيفة تضييقاً ممنهجاً حال دون استمراريتها، رغم ذلك لم تنقطع محاولات العودة، أبرزها في أكتوبر 2007 عندما عاودت الصدور، وكان رئيس تحريرها صلاح عووضة، في ظل بيئة رقابية وأمنية صارمة. ثم توقفت مرة أخرى، قبل أن تعود متحدية كل المعوقات برئاسة تحرير نجيب نور الدين، حيث شهدت هذه المرحلة توجهاً في السياسة التحريرية بالتركيز على قضايا المجتمع والثقافة وأسئلة الهوية، لكنها اصطدمت بذات التحديات المالية والسياسية. وبعد ثورة ديسمبر 2019، جرت محاولة جديدة للصدور برئاسة تحرير صديق عبد الله، في ظل ظروف انتقالية بالغة التعقيد حالت دون استقرار التجربة، حيث توقفت في يوليو 2022.

على مـر سنوات عملها، كانت منبراً حراً، وشهدت تطوراً ملحوظاً من صحافة حزبية إلى صحافة مستقلة تعبر عن كل مكونات الشعب السوداني، وأصبحت من أهم أدوات النضال للمحافظة على مشاريع الحق.

واليوم، تدخل "صوت الأمة" مرحلة جديدة عبر التحول إلى منصة إلكترونية، مستفيدة من الفضاء الرقمي الذي يوفر أدوات حديثة للنشر والتفاعل. هذا التحول يعيد رسم دور الصحيفة، من حيث سرعة التحديث، وتعدد أشكال المحتوى، وإمكانية الوصول إلى جمهور أوسع داخل السودان وخارجه، مع ضمان الموازنة الدقيقة بين سرعة النشر ودقة المعلومة.

وفي هذا الإطار، تتبني الصحيفة نموذجاً تحريرياً يقوم على التحقق، والتوازن بين الخبر والرأي، وإنتاج محتوى تحليلي واستقصائي عميق. كما تتيح البيئة الرقمية فرصة لتعزيز دور الصحيفة كمنصة حوار تستوعب تعددية الآراء، وتفتح المجال أمام الأصوات المستقلة، دون أن تفقد هويتها التحريرية.

ولا يقل البعد التثقيفي أهميةً، إذ نريد للصحيفة أن تسهم في بناء وعي عام مستنير، بتناول قضايا السلام والمواطنة وحقوق الإنسان والحوكمة، وتبسيط المفاهيم الاجتماعية والسياسية والدستورية، مع توظيف الوسائط المتعددة للوصول إلى الجمهور.

أما على مستوى الاستدامة، فإننا ندرك أن نجاح التجربة مرهون بتطوير نماذج تمويل شفافة ومتنوعة، قائمة على الاشتراكات والشراكات، إلى جانب الاستثمار في تدريب الكوادر الصحفية على أدوات الإعلام والمعلومات، وبناء شراكات مع مراكز الدراسات والبحوث والمجتمع المدني. وبهذا يمكن لـ"صوت الأمة" أن تواصل مسيرتها التاريخية، مستندة إلى إرثها الممتد منذ عام 1944، لتتحول إلى مؤسسة إعلامية وطنية فاعلة، توازن بين هويتها ومسؤوليتها، وتسهم في إعادة تشكيل الوعي العام وترسيخ قيم الحرية والمسؤولية.

وفي ختام هذا المسار المتجدد، نؤكد أن صحيفة "صوت الأمة" في نسختها الجديدة ستمضي، بإذن الله، نحو ترسيخ استقلاليتها المهنية ورسالتها النبيلة، واضعةً مصلحة الشعب السوداني فوق كل اعتبار، ومعبرةً بصدق عن تطلعاته في قضايا إنهاء الحرب وتحقيق السلام، والتحول المدني الديمقراطي، وبناء دولة العدالة والمواطنة. فهي مساحة وطنية حرة تنحاز للحقيقة، وتلتزم بأن تكون صوتاً مسؤولاً يعكس هموم الناس وآمالهم.

وفي هذا المقام، نتقدم بالشكر والتقدير لكل الأجيال التي تعاقبت على العمل في الصحيفة بمختلف إداراتها، لما قدموه من جهود أسهمت في حفظ اسمها وترسيخ دورها الوطني. وانطلاقاً من المتغيرات الراهنة، يأتي هذا التوجه الجديد استجابةً لأولويات المرحلة، وفي مقدمتها العمل من أجل إيقاف الحرب، وتعزيز الوعي السياسي، ومواجهة التضليل الإعلامي، وتقديم القضية الوطنية فوق كل اعتبار، إلى جانب مواكبة التحول الرقمي وفتح صفحات الصحيفة لكل الأقلام الوطنية المؤمنة بإيقاف الحرب والتحول المدني الديمقراطي، كما نجدد الدعوة لكل الكُتّاب الوطنيين للمساهمة في هذا المشروع.

ونتمنى للأستاذ طاهر المعتصم، رئيس التحرير، ولجميع زملائه في هيئة التحرير، التوفيق والسـداد في أداء رسالتهم، وأن يواصلوا هذا الجهد بعزيمة ومهنية تليق بتاريخ الصحيفة وتلبي نداء الواجب الوطني.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...