محمد الأمين عبد النبي

 

تنطلق أزمة النخبة في تشخيص مالك بن نبي، من فقدانها القدرة على النقد الذاتي؛ وهو عجز فاضح يمثل استسلامًا ضمنيًا للفشل، ونكوصًا عن امتلاك الشجاعة اللازمة لتفكيك أسبابه وجذوره. وفي السياق السوداني الراهن، تجاوزت الحرب الخطوط الحمراء كلها، لتصبح في أدنى تجلياتها الكارثية عملية سحق ممنهجة لجوهر الإنسانية ومحوًا لكرامتها، ملاحِقةً بغِلّها مساحات الأمل المخبوءة في قلوب السودانيين لإطفائها. حيث امتد التدمير لتقويض الأمل ذاته، باعتباره خطَّ الدفاع الأخير في وجه الانهيار المتربص بالبلاد، مما أحال مجرد البقاء على قيد الحياة إلى عبء نفسي ووجودي باهظ الكُلفة.

وسط هذا الكابوس، تجلى الحصاد البائس لعام كامل من حكومة "كامل إدريس"؛ وهي تجربة كشفت عن غياب تام لأية رؤية أو فهم لتعقيدات الدولة، لتتحوَّل واجهته المدنية إلى مجرد ظاهرة صوتية، وشعارات جوفاء صُممت لإلهاء الشارع والدفع به نحو انتظار المعجزات. لقد برع الرجل في دور المُخدِّر؛ فكلما ضاقت بالناس السبل، أخرج من محفظته حزمة وعود لكسب الوقت، بينما تتحوَّل حكومته في الواقع إلى صدى باهت وأداة للعسكريين.

خلال عام، لم يجرؤ الرجل على اتخاذ قرار واحد يصب في مصلحة الشعب، بل كانت تحركاته وقراراته كلها خصماً من كرامة المواطن وحقوقه. قاد هذا الفشل إلى تراكم الأزمات، والعجز الفاضح عن كبح الانهيار الاقتصادي، فيما تبخرت وعوده بالانفتاح الإقليمي والدولي، لصالح عزلة مضاعفة أساءت لمكانة السودان. هذا التناقض الصارخ حوّل خطاباته إلى مادة للتندر، بعد أن أيقن الشارع بأن الرجل ليس سوى بوق وألعوبة عاجزة عن امتلاك قرارها، لم تقدم للسودانيين شيئاً يذكر.

لقد تجلت الخديعة في استدعاء كامل إدريس ليكون مجرد واجهة وظيفية، صُممت بدقة لتجريف المدنية من محتواها. وتكمن الخطورة في كون الرجل قد تسلّل إلى المشهد رافعاً شعار "الأمل"، ليكون الحصاد بعد عام هو تبديد ذلك البصيص الذي كان يتمسك به السودانيون، متسقًا مع المثل "الما بعرف ما تخلوه يغرف، يا كسر الكاس يا عطَّش الناس"؛ إذ أفضى بارتهانه لإرادة العسكريين إلى تعطيش الشعب وإدخاله في تيه الجوع والنزوح، ليتحول الأمل الموعود على يديه إلى آلية ممنهجة لشرعنة الاستبداد، حتى بات الرجل بعجزه عبئًا على العسكريين قبل المدنيين.

إن الأزمة الماثلة أعمق من كامل إدريس بكثير؛ إنها تكمن في العقلية السلطوية التي أنتجته وجاءت به واجهةً للمشهد، وفي ورطة الوحل السياسي واستثمار الحرب لتغبيش العقول. ومع ذلك -وبالرغم من قتامة المخاض- فلن ينطفئ الأمل في نفوس السودانيين، فهو جذوة حيَّة يستمدها الشعب من فيض صموده ومقاومته المتراكمة.

فبينما يبرهن الواقع على أن نخب العجز لا يملكون أفقًا لتصور الغد بعد أن ارتضوا الاصطفاف كأدوات للتجريف، يظل الرهان معقودًا على وعي الشعب ومخزونه القيمي. إن الأمل هنا هو فعل مقاومة متجذر في صدور السودانيين الذين سينهضون من بين الركام، ليصنعوا آليات الصمود من رحم المعاناة، مؤكدين أن الوعي الجمعي أكبر من المكر السيء، وأقدر على انتزاع الحرية والسلام والعدالة، مصداقًا لقول الشاعر:

أعلل النفس بالآمال أرقبها   ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل

 

 

 

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...