د. عثمان البشرى المهدي

غدا تعاطي الشأن السياسي فعلًا وقولًا، ملمحًا مهمًا للعقل الجمعي السوداني، وطبقًا لمفهوم السياسة عند فوكومايا؛ والتي أرجعها إلى أن السياسة ليست سجينة لمجموعة من الأجهزة والأفكار التي تخضع الأفراد داخل دولة معينة أو حزب سياسي تحديدًا أو حتى جماعة دينية. وهو تصور بنيويٌّ يعبر عن العلاقات التي يجب أن تسود في مجتمع معين ونظام دائري للسلطة الحكومية أو حتى داخل الأحزاب السياسية، ومفهوم أكثر شمولًا بتعاطي الكل للشأن السياسي (مثقفيهم وعاميهم). فالسياسة كفعل يومي مؤثر، يتيح للإنسان إبداء رأيه مستقلًا دون الركون إلى مبدأ (إن أحسن الناس أحسنت وإن أساءوا أسأت).

وكذلك بالنظر إلى مقولات ابن خلدون، والتي أشارت إلى أن السياسة هي  تحمُّل المسؤولية للعامة والأفراد على نحو ومقتضى شرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية، يتضح أن الشأن السياسي ليس بدعة إن مارسه عموم الجمهور.

إن السياسة أساسًا ارتبطت في النفوس، بمحاربة الظلم والضيم في المجتمع بشقيه الريفي والمدني. فمحاربة ظلم العمدة أو شيخ الحارة أو حتى فتوتها، أمثلة لما يكون عليه الحال في المجتمعات البسيطة.

انتقل ذلك لمعنى أكثر شمولية في محاربة التركية والحكم الأجنبي على السودان، وحتى الدكتاتوريات المختلفة.

نظام الإنقاذ لم يكن نظام حكم فقط، بل هو امتداد لثيوقراطية مارسها التيار الإسلامي السوداني، وعمد إلى إدخال مفاهيم البرغماتية السياسية واغتيال شخوص الخصوم السياسيين، بالرغم من أن أولى أولويات الدين هي التنزه والترفع عن الصغائر المهلكة.

جاءت الفترة البرهانية والتي لم تشذ عن ممارسة ذلك الفعل، داعية بالانحياز التام لمواقفه إيجابية كانت أم سلبية، رافضة استقلال المواقف المعارضة وبالتالي وصفها بما ليس فيها، وإخراجها عن أطرها الموضوعية، وتقديمها في طبق الخيانة واللا وطنية.

استشرى نهج اغتيال الشخصيات معنويًا بكثافة، إبان ثمانينيات القرن المنصرم، حين ابتدرت الجماعة الإسلامية عبر منظومة إعلامية ورقية (ألوان والراية) والندوات السياسية المختلفة، لاغتيال الشخصيات معنويًا، وما يؤسف له أن الأمر صار عرفًا سائدًا، ومحبّذًا لكثير من السياسيين.

إذًا، فقد تولدت صورة ذهنية لجيل كامل، تربط السياسة بالتفلتات اللفظية وبالمصلحة الشخصية وإفراغها من أي محتوي أخلاقي.

ولعل مقولة رئيس وزراء بريطانيا تشرشل الساخرة، حينما زار قبر المهاتما غاندي والذي سطر على شاهد قبره (هنا يرقد رجل نبيل وسياسي عظيم)، فتهكّم قائلًا "كيف يرقد رجلان في قبر". هي مقولة لموقف كاشف اعترى السياسة السودانية، فغدت السياسة توصف فقط بالسوء إغفالًا عن دورها المتعاظم في رفاه الشعوب.

دفعت ثورة ديسمبر بشعارات عظيمة؛ كالحرية والعدالة الاجتماعية والوحدة والمساواة، وكلها معانٍ تذهب للأخلاق قبل كل شيء، لكن يبدو أن الوعد العظيم بالحرية التي رفعت في ديسمبر والتي تعني الإنصاف من متجبري الأرض وفقهاء الكذب السياسي وآكلي علف الجبابرة، والعمل على أن تصل قيم الأرض بالسماء والعودة بإنسان السودان إلى براءته ونقائه، أصبحت طقوسًا غير واقعية.

فإذا السقوط الأخلاقي لدولة الإنقاذ وعدم التزامها بالأطر القيمية للتعامل بين الأفراد وأداء واجبها الأخلاقي، هو ذاته ما يعتري السياسة الآن.

لم تتغلغل السياسة إلى المنظومة القيمية والبنية المجتمعية، إنما لامست قشورها الخارجية فلم يحدث التغيير المطلوب.

إن عدم النضج المعرفي وسياسة القطيع التي انتهجتها كثير من التيارات السياسية، بإلزام منسوبيها بتفعيل أساليب (الردحي والأكاذيب)، ستظل نقطة سالبة ومهلكة في المشهد السوداني العام، تبعته حكومة البرهان بتربية قطعان من (القونات).

فالسودان بعد زهده من تجربة الإسلام السياسي، أصبح غير متقبل بأخذ آداب سلطانية أكثر من حاجته للمعرفة والأخلاق.

إن ظاهرة الهجوم الوسائطي، لا يمكن أن ينظر لها بعيدًا عن سياسة القطيع التحريضية والتي تدعي المثالية وهي أبعد منها.

ولعل ما أجراه الباحثان (جيمي فريمير والسيدة ليندا سكيتكا)، بتثبيت فرضية تسمى (اللحوم الحمراء)، دلالة على الوضع الحالي. وهو لجوء السياسي أو غيره إلى التفوه بإهانات شخصية وكيل السباب، وقد يلجأ إلى (سب العقيدة) أحيانًا، كإلقائه لحومًا حمراء إلى أنصاره لالتهامها والنهش فيها... ووفقًا لهذه النظرية، لم يقتصر الأمر على الخصوم السياسيين، بل تعداه إلى الاعتراك حتى مع المؤيدين لنفس التيار السياسي، وهو ما يلاحظ الآن بشدة، حيث يعمد العامل في حقل السياسة لتصريحات تغفل عن اللياقة والتهذيب.

مجمل حل الإشكالية والتناقض المعاش الآن، يتطلب إرجاع الدسم الأخلاقي، استهداءً بمقولة مالك بن نبي (إذا كان العلم دون ضمير خراب للروح فإن السياسة بلا أخلاق خراب للإنسانية).

أخشى أن يأتي اليوم الذي تصبح فيه السياسة ترفًا غير ذات أهمية، وحكم العسكر هو الأصلح جزاء حصائد ألسنتنا.

لذا، من واجبنا أن ندعو إلى إنهاء سياسة القطيع بتعليم أساليب النقد الموضوعي وإنهاء الاغتيال المعنوي، وكبح جماح للأخلاق السياسي.

 

 

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...