مهدي داود الخليفة
أثار البيان الصادر عن حزب الأمة القومي بشأن الميثاق الذي أعلنت عنه قوى إعلان المبادئ السوداني في نيروبي نقاشاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والإعلامية، لا سيما فيما يتعلق بتحفّظ الحزب على الفقرة الخاصة بـ”فصل الدين عن الدولة”. غير أن القراءة الهادئة والمتأنية للبيان تكشف بوضوح أن موقف الحزب لا يمثل انسحاباً من التحالف، ولا رفضاً لمجمل الميثاق، بقدر ما يعكس رؤية سياسية راسخة تتعلق بكيفية إدارة القضايا المصيرية في السودان.
فالبيان، من حيث اللغة والمضمون، اتسم بدرجة عالية من العقلانية والهدوء السياسي، وحرص بعناية على تأكيد انخراط حزب الأمة القومي داخل هذا التحالف المدني العريض، ودعمه الكامل للجهود الرامية إلى إنهاء الحرب واستعادة المسار المدني الديمقراطي. وهذا في حد ذاته مؤشر مهم على أن الحزب لا يريد تحويل الخلاف حول هذه النقطة إلى أزمة سياسية أو سبب لتفكيك التحالف، بل يسعى إلى إدارة التباين بصورة مسؤولة تحفظ وحدة القوى المدنية.
ومن الناحية السياسية، فإن تحفّظ حزب الأمة القومي على تضمين مسألة “فصل الدين عن الدولة” داخل الميثاق في هذه المرحلة يُعد موقفاً طبيعياً ومتسقاً مع أدبيات الحزب وتاريخه السياسي. فالحزب ظل، عبر عقود، يتبنى فكرة أن القضايا ذات الطبيعة الدستورية والمجتمعية العميقة — مثل الهوية، وعلاقة الدين بالدولة، وشكل الحكم — ينبغي ألا تُحسم عبر اتفاقات سياسية مرحلية أو تفاهمات بين قوى محدودة، وإنما تُترك لمؤتمر قومي دستوري شامل يشارك فيه جميع السودانيين بعد توقف الحرب واستعادة الاستقرار.
وهذه الرؤية لا تنطلق فقط من الاعتبارات الفكرية للحزب، بل أيضاً من قراءة واقعية لطبيعة المجتمع السوداني وتعقيداته التاريخية والثقافية والدينية. فالسودان بلد متعدد الإثنيات والثقافات والانتماءات، وأي محاولة لحسم القضايا الكبرى بصورة مسبقة قد تؤدي إلى تعميق الاستقطاب بدلاً من بناء التوافق الوطني المطلوب.
كما أن الحزب، من خلال بيانه، حاول أن يبعث برسالة سياسية مزدوجة: الأولى إلى حلفائه داخل التحالف، مفادها أن الخلاف حول بعض القضايا لا ينبغي أن ينسف التوافق حول الهدف الأكبر المتمثل في وقف الحرب وإنقاذ البلاد؛ والثانية إلى الشارع السوداني، بأن الحزب لا يزال متمسكاً بمنهج الحوار الوطني الشامل ورفض فرض الرؤى الأحادية على القضايا المصيرية.
ومن المهم الإشارة إلى أن إدارة الخلافات داخل التحالفات السياسية ليست دليلاً على ضعفها، بل قد تكون مؤشراً على حيويتها وقدرتها على استيعاب التعدد. فالتحالفات المدنية الواسعة بطبيعتها تضم قوى ذات خلفيات فكرية وسياسية مختلفة، ومن الطبيعي أن تظهر بينها تباينات حول بعض الملفات الحساسة. غير أن القيمة الحقيقية تكمن في كيفية إدارة هذا التباين دون الانزلاق إلى القطيعة أو التخوين.
لقد اختار حزب الأمة القومي لغة سياسية متزنة، لم تلجأ إلى التصعيد أو التشكيك في نوايا الحلفاء، بل أكدت التمسك بالمشتركات الوطنية والدعوة إلى تأجيل القضايا الخلافية إلى حين قيام المؤتمر الدستوري القومي. وهذا النهج قد يكون أكثر انسجاماً مع حاجة السودان الحالية إلى بناء أوسع جبهة مدنية ممكنة لمواجهة الحرب والانهيار، بدلاً من الانشغال بمعارك فكرية ودستورية مبكرة.
وفي تقديري، فإن أهم ما يمكن البناء عليه في هذا البيان هو تأكيد الحزب على استمرار انخراطه داخل التحالف، لأن المرحلة الراهنة تتطلب توسيع مساحات الاتفاق لا تضييقها، وإدارة التباينات بعقل سياسي بارد يدرك أن الأولوية الوطنية اليوم هي إيقاف الحرب والحفاظ على وحدة السودان وتهيئة المناخ لحوار دستوري شامل يشارك فيه الجميع دون إقصاء.
إن السودان، وهو يمر بإحدى أخطر مراحله التاريخية، يحتاج إلى خطاب سياسي يوازن بين الثوابت الفكرية ومتطلبات الواقعية الوطنية، ويُدرك أن بناء السلام المستدام لا يتحقق بفرض التصورات، وإنما بالتوافق الحر بين السودانيين.




التعليقات (0)
جاري التحميل...