خارج البروتوكول
بقلم: عبير ياسر
تثبت التحولات السياسية المتسارعة في السودان، مجدداً أن التحالفات التي تُبنى على أرضية المصالح الضيقة والمنافع الآنية هي تحالفات هشّة، تذروها رياح الأزمات عند أول منعطف حاسم. وما تشهده "الكتلة الديمقراطية" المتواجدة في بورتسودان من انشقاقات حادة وتصدعات داخلية، ليس سوى انعكاس طبيعي لأزمة النخب السياسية التي رهن بعض أطرافها مواقفهم بحسابات الربح والخسارة الشخصية، متناسين أشلاء الوطن النازف وسط واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في التاريخ الحديث.
إن حال السياسي عندما تتقدم مصلحته الذاتية على مصلحة الأمة يتحول إلى معول هدم حقيقي؛ حيث يصبح الاستقطاب وسيلة للتكسب، والمواقف السياسية بضاعة تُباع وتُشترى في سوق المحاصصات السلطوية. هؤلاء النفعيون، بتغليبهم الغنائم والمناصب على حساب معاناة ملايين المشردين والنازحين، يسهمون -بشكل مباشر- في إطالة أمد الصراع، ويطيحون بما تبقى من استقرار للبلاد، ضاربين بعرض الحائط آمال الشعب السوداني في السلام والحرية، مما يعمّق حالة التشظي السياسي والعسكري.
وفي مقابل هذا التهافت والنكوص، يبرز معدن الشرفاء والصامدين في القوى المدنية والسياسية الوطنية، الذين رفضوا الانصياع لابتزاز السلاح أو إغراءات السلطة. هؤلاء الأحرار يقفون اليوم في خندق الصمود الثابت، متمسكين بموقفهم الأخلاقي والتاريخي الذي لا مساومة فيه: الوقف الفوري وغير المشروط لهذه الحرب العبثية. لم يتنازلوا عن حقِّ المواطن السوداني في الحياة والأمن، ولم يتراجعوا خطوة واحدة عن ضرورة إسكات صوت البنادق وتأسيس دولة العدالة والقانون، مستمدين قوتهم من نبض الشارع وأنين الضحايا لا من صالونات السياسة الفارهة.
وإذا نظرنا إلى الواقع بموضوعية بعيدًا عن حسابات القوى المتصارعة، نجد أن المواطن السوداني البسيط قد بلغ مرحلة من الإنهاك المطلق؛ فقد تجاوزت الحرب حدود الصراع المسلح لتصبح مأساة يومية يدفع ثمنها أكثر من 11 مليون نازح ولاجئ، في أضخم أزمة نزوح قسري يشهدها العالم اليوم. إن الجماهير في الخرطوم، ودارفور، والجزيرة، وكردفان، وبقاع السودان كافة، لم تعد تكترث للبيانات السياسية أو صراعات النخب في الفنادق، بل إن حاجتها الوجودية والملحة اليوم هي وقف الحرب فورًا وبلا قيود لإنقاذ ما تبقى من النسيج الاجتماعي وحماية الأجيال القادمة من الفناء المحدق الشامل.
وفي خضم هذه المعاناة، يبرز دور الوساطات الإقليمية والدولية -لا سيما المبادرات الأفريقية والعربية ومنصات التفاوض المشتركة- كعامل حاسم ومحوري لدعم هذا الصمود المدني. إن هذه الجهود الخارجية مطالبة اليوم بتجاوز قشور التمثيل الدبلوماسي الشكلي، والضغط الحقيقي والمباشر على الأطراف المتحاربة لإجبارها على الجلوس إلى طاولة المفاوضات، مع فرض عقوبات صارمة على مروجي الحرب وتجار السلاح لتجفيف منابع الصراع ونزع فتيل الفوضى المسلحة.
ولتفعيل هذا الموقف الوطني الشجاع على أرض الواقع، لم يعد الصمود السلبي كافيًا؛ بل يتطلب المشهد آليات عمل محددة وناجزة؛ أبرزها بناء جبهة مدنية عريضة وموحدة تتجاوز عيوب المحاصصات الحزبية، وتشكيل مجالس إنقاذ محلية منسقة لإيصال المساعدات الإنسانية مباشرة إلى معسكرات النزوح، بالتوازي مع إطلاق حملة عصيان وضغط شعبي سلمي واسع النطاق تحت شعار واحد لا بديل عنه: "أوقفوا الحرب الآن".
خاتمة :
إن التاريخ الصحفي والسياسي، يسجل بمداد من نور مواقف الذين انحازوا لمعاناة شعبهم واستمروا في الضغط لوقف نزيف الدم، بينما سيلفظ ذات التاريخ كلَّ من اتخذ من آلام السودانيين سلّماً للمجد الشخصي والمصلحة العابرة. السيادة الحقيقية والشرعية الدائمة لا تُصنع بالارتهان لأجندات الحرب، بل بالإنصات لصوت الشعب الأعزل الذي يطالب بالحياة؛ فالشعوب أبقى من الميليشيات ومن كراسي الحكم، والذين يصمدون اليوم من أجل السلام هم الذين سيبنون سودان الغد بعد أن تضع الحرب أوزارها وتنقشع غيوم الفوضى.




التعليقات (0)
جاري التحميل...